الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
303
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رَبِّ وبقرينة أنه قال : إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ وبقرينة إجابته بقوله : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [ الزخرف : 89 ] ، والأولى أن يكون ضمير الغائب التفاتا عن الخطاب في قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [ الزخرف : 87 ] ، فإنه بعد ما مضى من المحاجّة ومن حكاية إقرارهم بأن اللّه الذي خلقهم ، ثم إنهم لم يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة ، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال : يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ التجاء إلى اللّه فيهم وتفويضا إليه ليجري حكمه عليهم . وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [ الفرقان : 30 ] ، أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا ، ويؤيّد هذا تفريع فَاصْفَحْ عَنْهُمْ [ الزخرف : 89 ] ، ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جاريا على أسلوب الخطاب من قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [ الزخرف : 87 ] فمقتضى الظاهر : وقولك : يا ربّ إلخ . ويحسّن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس الرّسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن اللّه لا يهمل نداءه وشكواه على حدّ قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] . وإضافة القيل إلى ضمير الرسول مشعرة بأنه تكرر منه وعرف به عند ربّه ، أي عرف بهذا وبما في معناه من نحو يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وقوله : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [ البقرة : 214 ] . وقرأ الجمهور وَقِيلِهِ بنصب اللام على اعتبار أنه مصدر نصب على أنه مفعول مطلق بدل من فعله . والتقدير : وقال الرسول قيله ، والجملة معطوفة على جملة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [ الزخرف : 87 ] أو على جملة فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [ الزخرف : 87 ] ، أي وقال الرسول حينئذ يا ربّ إلخ . ونظيره قول كعب بن زهير : تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم * إنك يا بن أبي سلمى لمقتول على رواية ( قيلهم ) ونصبه ، أي ويقولون : قيلهم وهي رواية الأصمعي . ويجوز أن يكون النصب على المفعول به لقوله : لا نَسْمَعُ [ الزخرف : 80 ] ، والتقدير : بلى ونعلم قيله وهذا اختيار الفراء والأخفش ، وقال المبرد والزجاج : هو منصوب بفعل مقدر دل عليه قوله : وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ الزخرف : 85 ] أي ويعلم قيله . وقرأ عاصم وحمزة بجرّ لام ( قيله ) ويجوز في جرّه وجهان :